ملف العدد
الحوسبة الإدراكية ومستقبل المعرفة
العدد 150 | كانون اﻷول (ديسمبر)-2019

بقلم وسيم صافي
باحث ومدرّس في المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا

 

تعريف بالحوسبة الإدراكية وميزاتها

تشير الحوسبة الإدراكية -المعرفية- إلى النظم المعلوماتية التي تتعلم على نطاقٍ واسعٍ وبتسارعٍ كبيرٍ، وتتفاعل مع البشر طبيعيًّا، وتحاكي في نمذجتها أسلوب البشر وطريقتهم في التفكير. تتعلم هذه النظم من تفاعلها مع البشر، ومن تجاربها مع بيئتهم، ومن الأخطاء التي ترتكبها خلال هذا التفاعل. يمكن لنظم الحوسبة الإدراكية أن تفهم ثمانين في المئة من المعطيات غير المهيكلة (Unstructured Data)، وهذا يتيح لها مواكبة إدراك وفهم المعلومات التي تنتجها وتستعملها النظم المعلوماتية في العالم الحديث، والتي تتصف بالحجم الكبير والتعقيد الشديد.

 

لمحة تاريخية

مرت الحوسبة بثلاث مراحل أساسية:

1- عصر الجدولة (The Tabulating Era) من عام 1900 حتى عام 1940 تقريبًا. في هذه المرحلة كانت الحواسيب آلات ميكانيكية (Mechanical Systems) ذات تعليمات مجدولة سلفًا لإنجاز مهام بسيطة نسبيًّا. وكانت تَستعمل البطاقات المثقبة (Punched Cards) في عمليات إدخال الأوامر والتعليمات، وتخزين المعطيات.

2- عصر البرمجة (The Programming Era) من عام 1950 حتى الوقت الحالي. في هذه المرحلة كانت الحواسيب آلات إلكترونية قابلة للبرمجة وتتطور حسب قانون مور (Moore’s Law) الذي ينص على مضاعفة إمكانات الحاسوب من ناحية السرعة والحجم كل ثمانية عشر شهرًا. ينطبق هذا على كل ما نعرفه حاليًّا من محطات عمل حاسوبية، وحواسيب شخصية، وحواسيب محمولة. بدأت ملامح هذه المرحلة بالظهور خلال الحرب العالمية الثانية استجابة للمتطلبات الكثيرة العلمية والعسكرية. ثم انصرف التوجه إلى تطويع هذه الأجهزة الرقمية لخدمة نواحٍ متعددة من الحياة: الاقتصادية، والاجتماعية، والطبية...

3- عصر الإدراك (The Cognitive Era) منذ عام 2011. في هذه المرحلة تتعامل الحواسيب مع البشر بأسلوب تعاوني لتسهيل اتخاذ القرارات والتحكم في المواقف المعقدة والتعلم المستمر من التجارب. بدأت ملامح هذه المرحلة بالظهور منذ عام 1960 تقريبًا بوضع القواعد والأطر النظرية التي تعرِّف أساسيات ومبادئ النظم المعلوماتية للحوسبة الإدراكية. ولكن نظرًا لعدم توفر الإمكانات البرمجية والعتادية التي تتيح التطبيق العملي لهذه القواعد والأسس النظرية تأخر الظهور الفعلي لهذه النظم حتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

 

توضح الصورة الآتية هذه المراحل الثلاث:

 

الهدف الأساسي منذ الدخول في عصر الحوسبة الإدراكية هو التركيز على فهم واستخراج كم هائل من المعلومات الموجودة في المعطيات غير المهيكلة، مما يتيح توسيع القاعدة المعرفية (The Knowledge Base) لهذه النظم الإدراكية، ويساعد على اتخاذ قرارات أكثر موثوقية وبسرعة أكبر، وفهم أعمق وأشمل لطلبات مستثمري هذه النظم، والتفاعل معها بأسلوب قريب من تفاعل البشر فيما بينهم.

 

أول نظام حاسوبي إدراكي

يُعتبر واتسون Watson النظام الحاسوبي الشهير المقدم من شركة IBM في عام 2011 من أوائل النظم التي تُظهر المفاهيم المتقدمة للحوسبة الإدراكية. هذا النظام قادر على التنقيب في المعطيات غير المهيكلة ذات الحجوم الكبيرة، والإجابة عن أسئلة معقدة جدًّا، إضافة إلى قدرته على المحاكمة المنطقية، والاستدلال، وفهم الأسئلة الموجهة إليه بلغة طبيعية. يقوم واتسون مثلًا بواسطة تقنيات تحليل المعطيات والاستدلال الإحصائي بمساعدة البنوك على تحليل طلبات العملاء ومعطياتهم المالية لمساعدتهم على تقديم توصيات استثمارية. ويمكنه أيضًا مساعدة الشركات العاملة في الصناعات الخاضعة لمعايير تنظيمية دقيقة على التحقق من المواكبة المتغيرة باستمرار للتشريعات والامتثال للمعايير. أما في المجال الطبي، فيمكنه مساعدة أطباء الأورام على تحليل وتفسير المعلومات الخاصة بمرضى السرطان، وعلى تحديد خيارات العلاج القائمة اعتمادًا على قواعده المعرفية التي تحتوي على خلاصة معارف وخبرة الكثير من الخبراء والمختصين والباحثين في هذا المجال.

 

مستقبل المعرفة في عصر الحوسبة الإدراكية

إنّ التزايد الهائل في حجوم المعطيات، وترابطها، وتوزعها في أماكن مختلفة جغرافيًّا، وطرق الحصول عليها بات يطرح سؤالًا مهمًّا عن الآلية التي سترسم فيها هذه المعطيات المستقبل المعرفي، وعن الطرق التي يمكن بها استخراج المعلومات ومن ثم المعارف من هذه المعطيات. هذه المعطيات متوفرة بأنماط مختلفة: نصوص، صور، أصوات، اهتزازات... إلخ، واستخراجها يتطلب تقنيات متطورة جدًّا. وهنا يأتي دور الحوسبة الإدراكية القادرة على التعامل مع كل هذه الأنماط المختلفة من المعطيات كما يتعامل معها الإنسان. فهذه النظم قادرة مثلًا على الفهم العميق لكم هائل من النصوص، وتحليل الصور ومعرفة مكوناتها، وتفسير الكلام الطبيعي وفهمه. وإضافة إلى ذلك فهي تمتاز من الإنسان بمزايا مهمة كقدرتها على التعامل مع حجوم كبيرة جدًّا من المعطيات لا يستطع الإنسان التعامل معها، ومعالجة المعطيات بسرعة كبيرة تفوق سرعة الإنسان، والقدرة على تخزين حجوم كبيرة من المعلومات والمعارف المستخرجة.

 

ولكي تتمكن نظم الحوسبة الإدراكية من التعامل مع هذه الأنماط المختلفة من المعطيات والاستفادة منها بالفعالية نفسها التي يتعامل معها الإنسان الخبير وبسرعة وإنتاجية أكبر، تقوم هذه النظم بدمج الميزات التالية:

1- إنشاء مشاركة إنسانية أعمق (Deeper Human Engagement)

تتفاعل هذه النظم مع مستثمريها تفاعلًا طبيعيًّا يشبه تفاعل البشر فيما بينهم. حيث تراعي الحالة المزاجية للشخص: طبيعته، وتفضيلاته، وأولوياته، وغيرها من الطباع الخاصة بكل شخص. ولتحقيق هذا المستوى العالي من التفاعل تقوم هذه النظم بالاستفادة من المعطيات المتاحة اليوم لإنشاء نموذج حاسوبي دقيق لهؤلاء الأشخاص – مثل: معطيات تحديد الموقع الجغرافي (Geolocation Data)، وتفاعلات الوب (Web Interactions)، وتاريخ المناقلات والمعاملات (Transaction History)، والسجلات الطبية الإلكترونية (Electronic Medical Records)، ومعطيات الأجهزة القابلة للارتداء (Wearables Devices). ثم تضيف إلى ذلك النموذج بعض التفاصيل التي كان من الصعب أو من المستحيل اكتشافها سابقًا؛ مثل: نغمة الصوت، والشعور، والحالة العاطفية، والظروف البيئية، وقوة وطبيعة علاقات الشخص. وبفضل التعلم المستمر ودمج كل هذه الصفات الخاصة بكل شخص، يصبح التفاعل بين الإنسان والحاسوب أكثر طبيعية، وأقرب إلى أسلوب التفاعل البشري.

 

٢- توسيع نطاق ورفع مستوى الخبرة

إنّ المعرفة الخاصة بأي صناعة أو مهنة تتوسع بمعدل أسرع من قدرة أي شخص خبير على مواكبة هذا التوسع؛ ففي كل يوم ينشأ الكثير من البروتوكولات، والتشريعات، والممارسات، والنتائج العلمية الجديدة، والمجالات الجديدة. كمثال على ذلك، التوسع الهائل في المعلومات في مجال الرعاية الصحية؛ ففي عام 1950 قدِّر أن مضاعفة المعرفة الطبية في العالم تستغرق خمسين عامًا، وبحلول عام 1980 قدِّرت بسبع سنوات؛ وفي عام 2015 قدِّرت بأقل من ثلاث سنوات.

أما النظم الإدراكية، فهي مصممة لمواكبة كل التطورات الحديثة لتكون بمثابة رفيق للمهنيين والمختصين والخبراء لتعزيز أدائهم، وذلك لأن هذه النظم تتقن مفردات كل مهنة ولغتها، وهذا ما يمكّنها من التفاعل مع المختصين في كل مجال والاستفادة من خبراتهم، وتعليم الأشخاص ذوي الخبرة القليلة في مجالهم وإرشادهم. وهذا يوفر الكثير من الوقت، ويزيد السرعة في التعلم، ويعطي ثقة أكبر في اتخاذ القرار.

 

3- دمج المنتجات والخدمات بميزات إدراكية خاصة بالزبائن

يمكّن دمج النظم الإدراكية في المنتجات والخدمات الحديثة من معرفة تفضيلات الأشخاص ورغباتهم بما يلائم البيئة المحيطة بهم. وهذا يتيح لها التحسين والتكيف المستمرين، وزيادة قدراتها على تقديم الخدمات بطريقة غير متوقعة. وهذا ما نراه يحدث بالفعل في السيارات الحديثة، والأجهزة الطبية، وحتى في أجهزة الألعاب. وكذلك في إنترنت الأشياء، حيث بات الانتشار الكبير للأجهزة الرقمية المرتبط بعضها ببعض، ومعرفتها لتفضيلات الأشخاص ورغباتهم دليل على قدرة النظم الإدراكية على تحسين جودة الخدمات والمنتجات عند دمجها معًا. 

 

4- تمكين الإجرائيات والعمليات المعرفية

تتمكن النظم الإدراكية عند دمجها في إجرائيات العمل ضمن النظم البرمجية من التركيز الشديد على المعطيات، سواء المعطيات الداخلة إلى النظام البرمجي للمعالجة أو الناتجة عنه. وهذا يساعد كثيرًا على التحقق من آليات سير العمل، ومن سياق وبيئة العمل. وهذا يؤدي بدوره إلى زيادة فعالية التعلم المستمر، وتنبؤ أفضل بنتائج الإجرائيات، إضافة إلى موثوقية أكبر بآلية ونتائج اتخاذ القرار وسرعة اتخاذه.

 

5- تعزيز الاستكشاف والابتكار لمنتجات وحلول وخدمات جديدة

إن أقوى الأدوات التي تمتلكها الشركات والمنظمات الربحية والكيانات التجارية هي المعرفة التي تسمح لها باستكشاف واقعها وبيئتها المحيطة وتحديد نقاط قوتها وضعفها مقارنة بمنافسيها. هذه المعرفة تمكّن أصحاب القرار من اتخاذ قرارات موثوق بها إلى حد بعيد. وبتطبيق التقنيات المعرفية على كميات هائلة من المعطيات، يمكن لأصحاب القرار الكشف عن الأنماط والفرص وفرضيات جديدة قابلة للتنفيذ، والتي من المستحيل اكتشافها باستعمال نتائج البحوث التقليدية أو النظم البرمجية التقليدية وحدها.

 

لتجميع كل هذه الميزات في منصة عمل واحدة، يجب أن تكون منصة عمل الحوسبة الإدراكية الأساسية واسعة ومرنة بما يكفي لتطبيقها في أي شركة وفي أي صناعة، أو مكاملتها ضمن أي مخبر أبحاث. وللقيام بذلك، يجب اتباع منهج شامل للبحث والتطوير، بهدف إنشاء منصة عمل متكاملة مع مجموعة من القدرات لدعم طيف واسع من التطبيقات المتنوعة.

 

يجب أن تشمل منصة العمل هذه كل التقنيات المتطورة في مجال الحوسبة؛ مثل: التعلم الآلي (Machine Learning)، ومعالجة اللغات الطبيعية (Natural Language Processing)، ومعالجة الكلام (ProcessingSpeech )، والرؤية الصنعية (Vision)، والتقنيات المتقدمة في التفاعل بين الإنسان والحاسوب (Computer Human Interaction) كإدارة الحوار وفهم وتوليد النصوص والكلام. تتطلب العديد من هذه القدرات بنية تحتية متخصصة تدعم الحوسبة العالية الأداء (High Performance Computing)، وتجهيزات عتادية حديثة وتخصصية، وحتى نماذج حسابية جديدة. كل مجال من هذه المجالات ينمو بطريقة مستقلة في إطاره العلمي والأكاديمي والتقني. ولذلك يجب تطوير كل هذه التقنيات بالتنسيق مع الأجهزة والبرامج والمنصات السحابية والتطبيقات التي جرى إنشاؤها صراحة للعمل معًا لدعم الحلول المعرفية.

 

مثال على تفاعل هذه العلوم والتقنيات بعضها مع بعضها الآخر: محطة العمل الإدراكية واتسون. فنظام الحوسبة الإدراكية الخاص بواتسون يحتوي على تطبيق خاص بالتصوير الطبي المعرفي الذي يحلل صور الأشعة السينية (X-rays) والرنين المغناطيسي (MRIs) والأمواج فوق الصوتية (Ultrasound Images). يعالج واتسون أيضًا النصوص المكتوبة باللغة الطبيعية الموجودة في المجلات الطبية والكتب المدرسية والمقالات، ويَستعمل التعلم الآلي لتصحيح وتحسين فهمه، ويطوّر تمثيلًا عميقًا للمعرفة يمكن أن يساعد على تشخيص العديد من الحالات المرضيّة المعقدة. للقيام بكل ذلك، يتطلب واتسون وحدات معالجة متخصصة ذات قدرات عالية لمعالجة الحجوم الكبيرة من المعطيات.

  

الآثار والالتزامات للنهوض بالحوسبة الإدراكية

إنّ ظهور أية تقنية جديدة يؤدي إلى تغييرات كبيرة في الأعمال المتعلقة بها. ولن يكون الوضع مختلفًا فيما يتعلق بالحوسبة الإدراكية. فالحوسبة الإدراكية ستغيّر طبيعة العمل الذي يقوم به الناس، وستساعد على أداء الكثير من المهام بسرعة ودقة، وستجعل العديد من العمليات أرخص من ناحية التكلفة وأكثر كفاءة من ناحية الجودة، وستنجز بعض الأعمال بطريقة أفضل من الطريقة التي ينجزها البشر. وبالنظر إلى النمو الهائل في المعرفة والاكتشاف والفرص التي أتاحتها هذه الحقبة المعرفية، ثمة أسباب تدعو للاعتقاد بأن العمل البشري سيصبح أكثر إثارة للاهتمام وأكثر تحديًا وقيمة.

 

وعلى الرغم من كل هذه القيم المضافة، فإنّ الضوابط والضمانات المجتمعية والأمنية هي من الأمور المهمة الواجب مناقشتها عند ظهور أو تطوير أية تقنية، ومنها الحوسبة الإدراكية التي لا تشذ عن هذه القاعدة. فعملية تطويرها تقنيًّا ومحاولة نشر مفاهيمها يجب أن يترافق مع وضع ضوابط تضمن خصوصية وأمن المعلومات المتعلقة بالأفراد والشركات والمنظمات. وخاصة مع عملية التحول الديمقراطي للتكنولوجيا اليوم على المستوى العالمي والتي جعلت الكثير من المنتجات والخدمات التكنولوجية الحديثة في متناول الجميع، مدفوعة بالانتشار السريع للشبكات وللحوسبة السحابية، وما يصاحب ذلك من انخفاض في التكاليف. إنّ الإجابة لا تكمن في محاولة الحد من تلك الديمقراطية التكنولوجية، بل في اعتمادها عند تصميم النظم الإدراكية مع التركيز على مفاهيم الخصوصية وأمن المعلومات.

 

الخاتمة

حاولنا في هذه المقال إلقاء الضوء على مفاهيم الحوسبة الإدراكية وأهميتها، وتأثيرها على مستقبل المعرفة، وطرق الحصول عليها، إضافة إلى الآثار والالتزامات المترتبة للنهوض بالحوسبة الإدراكية. وستكون نظم الحوسبة الإدراكية في المستقبل القريب أداة تكنولوجية مهمة مساعدة في الكثير من الأعمال، وستحقق انتشارًا واسعًا. هذا الانتشار سيجعل من أمن وخصوصية المعلومات المتعلقة بهذه النظم محورًا مهمًّا يجب إيلاؤه الكثير من الاهتمام سواءً على مستوى الأفراد أو المنظمات أو الحكومات. 

 

المراجع

J. E. Kelly, "Computing, cognition and the future of knowing How humans and machines are forging a new age of understanding", IBM Research and Solutions Portfolio, 2015


 


 

قد ترغب كذلك بقراءة
الاعتماد على حلول الحوسبة الإدراكية في مجالات الرعاية الصحية
الحوسبة الإدراكية والذكاء الصنعي
الحوسبة الإدراكية، ميزات ومستقبل واعد