دراسات وأبحاث
مؤشرات الحكومة الإلكترونية
العدد 154 | آب (اغسطس)-2020

بقلم لودا علي
مدير المعلوماتية في مديرية الخدمات الفنية بحمص

1. المقدمة:

استعانت الحكومات بالتكنولوجيا، وتطوَّرت من الحكومة الإلكترونية E-government في Web 1.0 إلى الجيل الثاني Web 2.0 الذي قدَّم منتجات أكثر ثراءً في تطبيقات الإنترنت. والآن تنتقل إلى الحكومة الإلكترونية Web 3.0 التي لا تُعبِّر عنها تكنولوجيا معينة أو مجموعة أدوات، وإنما تُشير إلى تحوُّلٍ في الثقافة يَعتبر الحكومةَ نظامًا أساسيًّا لتشكيل القيمة العامة، وتَشْغل البياناتُ مكانةً مركزية فيه.

في الواقع، تتشابه البيانات مع النفط في أنَّ كلًّا منها يمتلك القدرةَ نفسَها على إحداث تحولات اقتصادية واجتماعية، وترتفع قيمتُها كلما جرى استخلاصُ البيانات الخام وتنقيحُها مما يمكِّنها من التأثير في القرارات في العالم الحقيقي وليس في العالم الافتراضي فقط.

أُطلق تقرير الأمم المتحدة (UN) United nations للحكومة الإلكترونية من بُعد لهذا العام في يوم الجمعة العاشر من تموز 2020، شاملًا جميع الدول الأعضاء البالغ عددهم (193) عضوًا بإشراف إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة، بعنوان:

Digital Government in the Decade of Action for Sustainable Development

 تناولَ العلاقةَ بين الحكومة الرَّقْمية ومُتطلبات التنمية المُستدامة، مع ملحق:

Addendum on COVID-19 Response

 حيث كشفت أزمةُ جائحة كورونا أهميةَ دور الحكومة الرقمية في تقديم خدمات أساسية للمواطنين؛ مثل: مُتابعة التعليم من بُعد، والاستشارات الطبية، فضلًا عن أساليب مُبتكَرة لإدارة الأزمة. وما يزال تطور الحكومة الرقمية بحاجةٍ إلى دعمٍ حكومي على مُختلف المستويات.

2- نبذة تاريخية

يَصدر تقرير مسح الحكومة الإلكترونية كلَّ سنتين من شعبة الإدارة العامة وإدارة التنمية التابعة لإدارة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية بهدف توفير أداة لصنَّاع القرار لتحديد نقاط القوة وفرص التحسين وتوجيه سياسات واستراتيجيات الحكومة الإلكترونية.

 

يُظهر الجدول التالي عناوين التقارير الصادرة منذ عام 2001 وسنوات إصدارها (الأحدث فالأقدم):

 

3- مؤشرات التطور في تنمية الحكومة الإلكترونية

شمل تقريرُ الأمم المتحدة للحكومة الإلكترونية 2020 الاتجاهاتِ العالميةَ في الحكومة الإلكترونية، والتطورَ الإقليميَّ وأداءَ الدول فيما يخص الحكومة الإلكترونية، والتحدياتِ والفرصَ الإقليمية، وتطورات الحكومة الإلكترونية على مستوى المُدن والتجمعات البشرية. وقد عَرَضَ التقريرُ قياسَ مستوى التطور في تنمية الحكومة الإلكترونية من خلال مؤشرات رئيسية؛ هي:

  • الخدمات الحكومية الإلكترونية Online Service Index.
  • رأس المال البشري Human Capital Index.
  • البنية التحتية للاتصالات Telecommunications Infrastructure Index.
  • المشاركة الإلكترونية Index Electronic participation.

وتناول التقريرُ بعضَ المعالم الجديدة؛ ومنها تَصاعُدُ دورِ منصات المشاركة الإلكترونية في مشاركة الأفكار والإبلاغ عن المخالفات، ولفتت النتائجُ عن توسُّع استعمال البيانات على مستوياتٍ مُختلفة في العمل الحكومي مع استمرار وجود تحديات عديدة؛ منها: نقص المعرفة بالبيانات، ومشكلات الأمن، والخصوصية.

عرض التقريرُ ترتيبَ الدول والقارات في تقديم الخدمات الإلكترونية ومُؤشر تطور الحكومة الإلكترونية، فكانت الدول الرائدة في الحكومة الرقمية كما يلي:

 

أما أول دولة عربيًّا فكانت الثامنة عالميًّا وفقًا لمؤشر الأمم المتحدة لتنمية الحكومة الإلكترونية. واستجابةً للتدابير الوقائية من انتشار وباء كورونا في العالم تضمَّن الإصدارُ الجديد من تقرير الأمم المتحدة للحكومة الإلكترونية فصلًا خاصًّا بالحكومة الإلكترونية خلال جائحة (كوفيد-19) من ناحية السياسات وما بعد الأزمة.

ولفت التقرير إلى تأثير الفجوات في الدخل وانعدام المساواة، وأهمية تطوير التكنولوجيا في دعم مبادئ حقوق الإنسان، والفاعلية والشمول بما يجعلها أداةً لتمكين المواطنين ووسيلةً تدعم تحقيق أهداف التنمية المُستدامة، وخصَّص فصولًا مُنفردة لموضوعات المشاركة الإلكترونية، وإمكانات التحول إلى الحكومة الرقمية.

1-3- مؤشر الخدمات الحكومية الإلكترونية Online Service Index (OSI) يُبرز هذا المؤشر مدى التقدم في الحكومة الإلكترونية من خلال مجموعة من المحاور؛ هي:

  • الإطار المؤسساتي.
  • الإطار القانوني والتنظيمي.
  • الاستراتيجيات الوطنية وتطبيقها.
  • نسب استعمال الخدمات الإلكترونية ورضا الزبائن.
  • سرعة إدخال التقنيات الحديثة والتعاون الإقليمي والدولي.
  • اعتماد سياسات حكومية شاملة ومتكاملة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 بفاعلية مع الأخذ في الحسبان العلاقات المتبادلة بين القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

 

تَعتمد المنظمةُ منهجيةً معيَّنة وغير منشورة لكيفية حساب نسبة التقدم أو التراجع للدول في هذا المؤشر الذي يجري قياسه عن طريق تعبئة استمارة الخدمات الحكومية الإلكترونية Online Services Questionnaire للدول الأعضاء.

هناك وزن كبير للإطار القانوني الذي يحكم التحول الرَّقْميَّ وخصوصًا فيما يتعلق بخصوصية البيانات ووجود البيانات المفتوحة المصدر وتصنيف البيانات والمشاركة الإلكترونية.

2-3- مؤشر رأس المال البشري (HCI) Human Capital Index

يتكون من أربعة مؤشرات فرعية؛ هي:

  1. معدل الإلمام بالقراءة والكتابة لدى البالغين.
  2. إجمالي نسب الالتحاق بالمدارس الابتدائية والثانوية والتعليم ما بعد الثانوي.
  3. عدد سنوات التعليم المتوقعة.
  4. متوسط عدد سنوات الدراسة.

 

3-3- مؤشر البنية التحتية للاتصالات  Telecommunications Infrastructure Index

يقاس هذا المؤشر بناءً على خمسة عناصر؛ هي:

  • عدد المشتركين في الهاتف النقال.
  • عدد المشتركين في الهاتف الثابت.
  • عدد مستعملي الإنترنت.
  • عدد المشتركين في خدمات النطاق العريض الثابتة.
  • عدد المشتركين في خدمات النطاق العريض اللاسلكية.

4-3- مؤشر المشاركة الإلكترونية (EPI) Index Electronic participation

يتحقق هذا المؤشر عن طريق تصميم نموذج بثلاثة مستويات:

  1. المعلومات الإلكترونية (e-information).
  2. الاستشارة الإلكترونية (e-consultation).
  3. صناعة القرار الإلكترونية (e-decision-making).

 

4- الإدارة في عصر البيانات

يمتلك القطاعُ الخاص (كشركات التكنولوجيا والاتصالات وتجارة التجزئة) نصيبًا كبيرًا من البيانات في العالم. بل إن بعض الشركات (مثل “Facebook” و“Google”) جعلت البيانات محورًا لعملها وأرباحها، وبعض الشركات الأخرى (مثل “Uber” و“Airbnb”) سخَّرت البيانات لتطوير منصات غيَّرت مجالات عملها كالمواصلات والضيافة.

 

وحتى الآن يُقدِّم بعض الأشخاص طوعًا بياناتهم مجانًا في مقابل الحصول على خدمات التكنولوجيا كالبريد الإلكتروني والإعلام الاجتماعي. لكن من المُرجَّح ألا تستمرَّ هذه الحال طويلًا، لأن العمل جارٍ لتطوير نماذج تجارية تُوفر لهؤلاء الأشخاص مقابلًا ماليًّا نظير بياناتهم.

يجب على الدول - لرفع ترتيبها في التقارير القادمة للأمم المتحدة بما يخص الحكومة الإلكترونية - العمل على المحاور الأربعة المذكورة آنفًا، وذلك بوضع:

  • سياسةِ تصنيف وإدارة البيانات الحكومية، ومتابعة تنفيذها.
  • قانونِ حماية البيانات الشخصية.
  • منصةٍ للبيانات الحكومية المفتوحة (OGD) Open Government Data والمتابعة مع الجهات الحكومية لزيادة عدد مجموعات البيانات الحكومية المفتوحة عليها لزيادة الشفافية والمشاركة الإلكترونية للمواطنين وقطاع الأعمال.
  • سياسةِ مشاركةٍ إلكترونية لتعزيز نسبة مشاركة المواطنين في إجراءات صنع القرار وإعداد التشريعات بجميع مراحلها.
  • سياسةِ تطبيقات واجهة الاستعمال المفتوحة Open Applications Interface (OAI).
  • خطةٍ لتطوير قنوات جديدة لتقديم الخدمات الحكومية الإلكترونية.
  • سياسةٍ لتعزيز الهوية الرقمية للمواطنين بتفعيل التوقيع الإلكتروني.
  • وسائلَ لاجتذاب المواهب المتخصصة في البيانات واستثمار الكفاءات منها.
  • خطةٍ لتوجيه الابتكار ودعمه.

5- البيانات المفتوحة والتنمية المستدامة

لتوفير الوصول إلى المعلومات من أجل التنمية المستدامة ينبغي زيادةُ البيانات الحكومية (أفقيًّا وعموديًّا) واستغلالُ الموارد العامة بكفاءة لتحسين الخدمات المقدَّمة للمواطنين.

إن الاستفادةَ من البيانات المفتوحة مهمٌّ ومفيدٌ للتنمية المستدامة، وله أثر إيجابي في الابتكار والشفافية، والمساءلة، والقرار القائم على المشاركة والنمو الاقتصادي. فالبيانات الحكومية المفتوحة تساعد على تحسين برامج التنمية وتتبُّع التقدم، ومنع الفساد وتحسين فعالية الدعم والمعونة.

ويجب أن تتعاون وزارات (الداخلية، والشؤون الاجتماعية والعمل، والإعلام، والصناعة، والاتصالات)، والوزارات الأخرى ذات العلاقة، في النشر الفوري وتطبيق الممارسات التالية على البيانات المفتوحة:

  • أخْذُ هذه البيانات بجميع تفاصيلها من دون أي تغيير فيها، واعتبارها بيانات أولية.
  • تحديدُ ملكيتها وأصلها وتصنيفها الأمني بصيغة واضحة.
  • تسهيلُ الوصول إليها بقطع النظر عن التقنية أو الأداة المستعملة في نشر البيانات.
  • توفيرُ أدوات العرض للتحميل والاستعمال مجانًا.
  • إتاحتُها من دون الحاجة إلى عملية التسجيل للوصول إليها.
  • عدمُ تقييدها بأيِّ نوع من أنواع حقوق الملكية الفكرية (مثل: حقوق الطبع والنشر والنسخ وبراءات الاختراع أو العلامات التجارية، أو الشروط التعاقدية، أو أية قيود وأحكام متعلقة بأمن المعلومات وسياسة الخصوصية).
  • نشرُها بصيغ ملفات آمنة، وعدم تعريض الشخص الذي يحصل عليها لأية أخطار أمنية.

 

6- الخاتمة

تُعَدُّ البيانات سببًا رئيسيًّا في التغيير إذا جرت مشاركتها على النحو الصحيح بين الدول والمجتمعات وتوجيهها إلى المجالات التي هي أشد حاجة إليها، ويَستلزم ذلك إجادة قدرات وتشكيل لوائح وثقافة جديدة؛ أيْ استحداث نظام شامل.

في الواقع - ورغم سنوات الاهتمام واستثمار أموال طائلة - تُكافح أغلب حكومات العالم للتعامل مع قواعد بيانات قديمة لا يتوافق بعضها مع بعضها الآخر، بل إنها تتعارض مع أيِّ نوع من مشاركة البيانات أو التصميمات المدفوعة بالبيانات، وما تزال القوانين في مهدها وتُواجه صعوباتٍ في مواكبة سرعة التغيرات. يضاف إلى ذلك، أن معظم المتخصِّصين في البيانات يتجنَّبون العملَ في المجال الحكومي.

 

وهكذا نجد أننا بحاجة إلى تصميمِ عملياتٍ متقدمة لإدارة البيانات وإجراءاتٍ فعّالة تضمن جودتها وتتيح تسجيلَها ومعالجتَها وتخزينَها مع مراعاة معلومات السياق الحاسمة في تحديد تأثير البيانات الضخمة في اتخاذ القرار، وذلك لأن افتقار البيانات إلى الدقة والتوقيت المُلائم قد يَضرُّ بقيمتها.

يتطلب تحقيقُ هذه الغاية مراجعةَ الكثير من القوانين لضمان تناسقها والتأكد من تنفيذ اللوائح المنظِّمة للخصوصية ولحيادية الإنترنت وتدفق البيانات وحماية أمنها على افتراض استمرار الإنترنت بصفتها سلسلة من الشبكات المفتوحة. أما إذا تحولت الإنترنت إلى مجموعةٍ من الشبكات المغلقة، فلربما لن تتحقق أبدًا الإمكانات الكاملة للبيانات.

سيكون البقاء والازدهار في عصر الثورة الصناعية الرابعة حليفًا للمؤسسات القادرة على توظيف المتخصِّصين والاستمرار في تنمية المهارات اللازمة لعصر البيانات وانتقال الحكومات من مفهوم الحكومة الإلكترونية إلى الحكومة الذكية.

 

المراجع

https://01gov.com/un-egovernment-survey-2020

https://www.weforum.org/agenda/2020/05/how-the-fourth-industrial-revolution-can-help-us-handle-the-threat-of-covid-19

http://www.abahe.co.uk/Research-Papers/Application-of-electronic-administration.pdf

http://www.iasj.net

قد ترغب كذلك بقراءة
ما هي الحرب السيبرانية؟ مستقبل مخيف للصراع الرقمي
مكاتب العمل بالواقع الافتراضي بين الخيال والواقع
ميزات غير شائعة على فيسبوك