دراسات وأبحاث
اتصالات الفضاء العميق
العدد 148 | آب (اغسطس)-2019

بقلم فاتن مشتا
مهندس معلوماتية

اتصالات الفضاء العميق

Deep Space Communication

 

1.مقدمة

إن الرغبة في معرفة الكون من حولنا ونشأته وتكونه، إضافة إلى البحث عن أماكن صالحة للسكن أو وجود حياة خارج الأرض، كلُّ ذلك قاد إلى المئات من البعثات الفضائية في العقود الخمسة الأخيرة. هذه البعثات بين الكواكب كما وصفها ديف دودي في كتابه عام 2009 "قدمت معرفة عن مكاننا في الكون أكثر مما قدمه أي إنسان في الماضي".

لقد قدمت البعثات الفضائية صورًا مفصلة لنظامنا الشمسي يستحيل الحصول عليها من الأرض، مثال ذلك الصورة المشهورة المسماة "النقطة الزرقاء الشاحبة"؛ وهي صورة للأرض من بعد ملايين الكيلومترات عرضتها ناسا في عام 2006.

وقد أسهمت هذه الصور مع بيانات علمية أخرى في العديد من الاكتشافات، من مثل:

  • اكتشاف الكوكب HD 106906، وعلاقته مع النجم الأم التي من المحتمل أن تتحدى نظريات الجاذبية الحالية.
  • قياس سرعة الرياح في كوكب نبتون التي قدرت بـ 1600 كم/ساعة.
  • اكتشاف مركبات كربون عضوية على أحد المذنبات، قد تقدم أدلة على نشأة الحياة على الأرض.

يدل مصطلح الفضاء العميق عادةً على المسافة الكبيرة عن الأرض، وبحسب وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا NASA) فإن هذه المسافة هي أيُّ مسافة أكبر من بعد القمر عن الأرض (وهي تساوي تقريبًا 384000 كم)؛ أي 96 مرة من محيط الأرض. وبحسب وكالة الفضاء الأوروبية (إسا ESA) فإن هذه المسافة هي أيُّ مسافة أكبر من (2000000) كم عن الأرض؛ أي 50 مرة من محيط الأرض. وهذا يعني أن هذه المسافة أكبر بأشواط من أي وصلة أرضية موجودة.

إن نجاح أيَّ مهمة في الفضاء العميق يعتمد على وجود اتصالات موثوقة مع المركبة الفضائية لإرسال الأوامر وتحديثات البرامج وتعقب المسار والموقع واستقبال الصور والبيانات العلمية. وقد أدت الحاجة إلى مثل هذه الاتصالات الموثوقة في الفضاء العميق إلى اهتمام عالمي للبحث والتطوير في هذا المجال، وغالبًا ما يتجه منحى البحث إلى تطوير التقنيات الموجودة بحيث يمكن استعمالها في الفضاء العميق، ولكن التحديات في هذا النوع من الاتصالات دفع بتقنيات الاتصالات إلى حدودها القصوى.

2.التحديات في اتصالات الفضاء العميق

تواجه اتصالات الفضاء العميق تحديات فريدة لا نظير لها في الاتصالات الأرضية الاعتيادية، ومن هذه التحديات:

المسافات البعيدة

تبعد المركبة الفضائية Rosetta التي أرسلتها وكالة الفضاء الأوروبية عن الأرض مسافة قدرها 393,720,000 كم حاليًّا، وتبعد المركبة Cassini التي أرسلتها ناسا عام 1997م عن الأرض مسافة قدرها 1,370,000,000 كم عن الأرض حاليًّا، وتبعد مركبة ) New Horizonsبعثة ناسا إلى كوكب بلوتو) عن الأرض مسافة قدرها 4,780,000,000 كم حاليًّا.

وعلى هذا فإن زمن استجابة اتصالات الفضاء العميق طويل جدًّا. واعتمادًا على قياس زمن رحلة الضوء ذهابًا وإيابًا Round Trip Time (RTT) يبلغ زمن استجابة Rosetta 43.78 دقيقة، وزمن استجابة المركبة Cassini 2.54 ساعة، وزمن استجابة مركبة New Horizons 8.85 ساعة.

يضاف إلى ذلك أن معدل سرعة نقل البيانات ضمن هذه المسافات أقل بكثير من معدل سرعة نقل البيانات في الوصلات الأرضية؛ فمثلاً معدل سرعة نقل البيانات المستقبَلة من المركبة Rosetta يساوي 104.85 Kb/sec، ومن المركبة Cassini يساوي 20.10 Kb/sec، ومن المركبة  New Horizonsيساوي 1.68 Kb/sec.

ولا شك في أن المعدات الموجودة في المركبات الفضائية سترسل مزيدًا من البيانات مع مرور الزمن، وسيتطلب هذا معدلًا أعلى في سرعة نقل البيانات. وبحسب توقعات وكالة ناسا، فإن اتصالات الفضاء العميق تتطلب زيادة في معدل سرعة نقل البيانات خلال العقود الثلاثة التالية لا تقل عن عشرة أضعاف ما هي عليه الآن. ويترافق هذا المطلب في تحقيق معدل سرعة نقل البيانات بتحدٍ آخر أكبر منه، وهو ابتعاد المركبات الفضائية إلى أماكن سحيقة في أعماق الفضاء.

حدود تقنيات المركبات الفضائية

إن المصدر الأساسي للطاقة في معظم المركبات الفضائية هو مزيج من الطاقة الشمسية ومولدات النظائر المشعة الكهرحرارية Radioisotope Thermoelectric generators (RTGs). أما في الفضاء العميق، حيث الطاقة الشمسية ضعيفة جدًّا، فإن المصدر الأساسي للطاقة هو RTGs، حيث تولد هذه المولدات الكهرباء اعتمادًا على فرق الحرارة ما بين الفضاء والحرارة التي لفظها النظير المتحلل.

مولدات النظائر المشعة الكهرحرارية

ومع أن RTGs تولد الطاقة مُددًا طويلة من الزمن، فإنها لا تولد كمية كبيرة من الطاقة، ولذلك يجب تشغيل معدات الاتصالات في المركبة الفضائية بمستوى استطاعة منخفض جدًّا. فالمركبة الفضائية the Voyager مثلًا تستهلك 360 watts لجميع معدات الاتصالات.

يضاف إلى ذلك أن الموثوقية الطويلة المدى من دون أي أعمال صيانة يدوية عاملٌ حرج في الفضاء العميق، إذ إن معظم المهمات الفضائية إلى كواكب أخرى غير مأهولة، ويمكن أن تستغرق الرحلة مدة تزيد على عشر سنوات. فعلى سبيل المثال، انطلقت المركبة the Voyager عام 1977م وما تزال فعالة حتى الآن بعد مرور عقود على انطلاقها.

هذا وإن لعدم الموثوقية تأثير كبير في المهمة الفضائية. مثال ذلك ما حصل في عام 1991م عندما أخفق الهوائي العالي الربح High Gain Antenna في التحرر، وأجريت محاولات عديدة لتحرير الآلية العالقة على مدى شهور مثل التبريد والتسخين السريع بإدارتها نحو الشمس أو بعيدًا عنها ولكن دون جدوى، مما ألزم المركبة باستعمال الهوائي المنخفض الربح فقط وبعرض حزمة ترددية أقل بكثير.

وقد شوهد تأثير عدم الموثوقية أيضًا في عام 2011م عندما أخفقت المركبة الفضائية the Phobos-Grunt - التي أطلقتها وكالة الفضاء الروسية - في التقاط المدار المنخفض، وفُقِد التحكم بالمركبة تمامًا، فتسبب ذلك في سقوطها على الأرض في كانون الثاني عام 2012م. وكان السبب في ذلك - حسب تقرير وكالة الفضاء الروسية – عدم موثوقية الجزء الإلكتروني للعمل في الفضاء.

إذن يجب أن تكون معدات الاتصالات موثوقة تمامًا، وتعمل باستطاعة منخفضة، ولها حجم محدَّد ووزن لا يتجاوز عدة كيلوغرامات.

تحديات المحطة الأرضية

في الفضاء العميق، تكون استطاعة الإشارة المستقبَلة ضعيفة جدًّا في الاتصالات الراديوية الاعتيادية، فيتطلب ذلك استعمال مستقبِلات ذات حساسية عالية؛ فمثلًا عندما ترسل المركبة Voyager2 إشارة استطاعتها 20 KWatts من مرسل حزمته الترددية s-band تكون استطاعة الإشارة المستقبَلة من طبق هوائي قطره 70 m هي 2.47*10-22 KWatts فقط، وبذلك يلزم استعمال معدات ذات حساسية عالية لتضخيم ومعالجة الإشارة.

يجب أن تصنع المعدات بدقة عالية جدًّا، وهذا يشمل المرايا الثنائية الاتجاه التي تُستعمل لفصل الترددات، حيث تحفر هذه المرايا المستعملة في الاتصالات الراديوية بدقة تصل إلى 5-15 ميكرون. ويجب أن يكون سطح طبق الهوائي عالي الدقة؛ فمثلًا على هوائي ناسا الراديوي (الذي قطره  70 mومساحة سطحه 3850 m2) أن يحافظ على مساحته بدقة لا تزيد على سنتيمتر واحد، وأن يحافظ على موضعه وتوجهه نحو المركبة الفضائية بدقة لا تزيد على جزء من ألف جزء من الدرجة في الثانية وذلك لتعويض دوران الأرض 0.004 درجة في الثانية.

3.شبكات الفضاء العميق

تَستعمل شبكات الفضاء العميق حاليًّا أطباق هوائيات كبيرة ذات شكل قطع مكافئ لتوفير طريقتين للاتصال بالمركبة الفضائية باستعمال الترددات الراديوية.

ولدى كل من ناسا وإسا شبكات الفضاء العميق الأكثر تطورًا، إذ إنها تشمل نطاقًا واسعًا من الفضاء، وتتألف كل من الشبكتين من ثلاثة مراكز، يبعد أحدها عن الآخر بمقدار 120 درجة، وذلك لتوفير تغطية كاملة للفضاء على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع وبمدى 360 درجة. أما مراكز شبكة وكالة الفضاء الأوروبية إسا فهي في أستراليا وإسبانيا والأرجنتين، وأما مراكز شبكة ناسا فهي في كاليفورنيا وأستراليا وإسبانيا. يبلغ أطوال أقطار هوائيات شبكة ناسا 70 m و 34 m و 26 m، أما أطوال أقطار هوائيات شبكة إسا فمتساوية ويساوي كلٌّ منها 35 m.

تُستعمل الهوائيات الصغيرة الحجم عادة لتعقب المركبات الفضائية القريبة من الأرض والاتصال بها، وذلك لأن المركبات القريبة من الأرض تتطلب هوائيات سريعة الحركة، ولأن الإشارة المستقبَلة من هذه المركبات ذات استطاعة أعلى من الإشارات المستقبَلة من المركبات البعيدة ولا تحتاج إلى هوائيات قطرها 70 m لاستقبالها.

ثمة شبكات فضاء عميق أخرى مثل:

  • شبكة وكالة استكشاف الفضاء اليابانية JAXA، لديها مركز واحد يَستعمل هوائيًّا قطره 64 m.
  • منظمة البحث الفضائي الهندية ISRO، لديها ثلاثة مراكز تَستعمل هوائيات أقطارها 32 m و18 m و11 m.
  • شبكة الفضاء العميق الروسية، لديها ثلاثة مراكز تَستعمل هوائيات أقطارها 70 m و32 m و25 m.
  • المراصد الفلكية الوطنية الصينية، تَستعمل هوائيات أقطارها 50 m و40 m و18 m.

تتأثر الاتصالات الراديوية بالتداخل مع الطقس والإشعاع الشمسي والأجهزة المنزلية والصناعية، أو مع إشارات أخرى، مثل: إشارات الهاتف المحمول ومحطات التلفزة الفضائية. ولا يمكن التحكم بالطقس والإشعاع الشمسي، ولكن يمكن التقليل من أثر التداخل مع منابع أخرى باختيار أماكن محددة للمحطات الأرضية. ولهذا السبب اختارت كلٌّ من ناسا وإسا أماكن محطات شبكات الفضاء العميق في مناطق معزولة وبعيدة عن المنازل والتجمعات الصناعية.

4.الاتصالات الراديوية

إن موجات الراديو الكهرمغنطيسية المستعملة في اتصالات الفضاء العميق هي جزء من الطيف الراديوي مثل موجات: الضوء المرئي، والأشعة فوق البنفسجية، وأشعة X. تسافر الأمواج الراديوية في خط مستقيم بسرعة الضوء التي تبلغ 300 Km/sec في الفضاء. وتَستعمل اتصالات الفضاء العميق المجال الترددي المكروي الذي يمتد من 1 GHz - 300 GHz. يقسم هذا المجال الترددي إلى عدد من الحزم، التي تُستعمل عادةً في اتصالات الفضاء العميق، وهذه الحزم هي:

  • L-Band: 1.67 - 1.71 GHz
  • S-Band: 2.025 - 2.3 GHz
  • X-Band: 8 - 9 GHz
  • Ka-Band 20 - 30 GHz

تتيح الترددات العليا معدلًا أعلى في نقل البيانات، ولكنها أشد تأثرًا بتداخل الغلاف الجوي، وهذا ناتج عن طول الموجات القصيرة التي تتأثر بسهولة بعناصر الغلاف الجوي مثل قطرات المطر.

5.التعديل والاستقطاب

يشير الاستقطاب إلى حركة الحقول الكهربائية والمغنطيسية ضمن موجة الراديو. على سبيل المثال، تتحرك الموجة في الاستقطاب الخطي إلى الأعلى والأسفل في مستوٍ واحد كالإشارة الجيبية العادية، أما في الاستقطاب الدائري، فتتحرك الموجة بشكل دائري، إما باتجاه حركة عقارب الساعة وإما بعكس اتجاه حركة عقارب الساعة. يُفضَّل الاستقطاب الدائري على الاستقطاب الخطي لأنه يقلِّل من الضياع، وفي حال استعمال عدة مرسلات يمكن استعمال الهوائيات باستقطاب مختلف لتحصيل معدل نقل بيانات أعلى.

أما ما يتعلق بنوع التعديل المستعمل في اتصالات الفضاء العميق، فإن كلًّا من ناسا وإسا تستعمل نوع التعديل Binary Phase Shift Keying (BPSK).انظر الشكل التالي:

6.اكتشاف وتصحيح الأخطاء

عمليًّا، تحوي سلسلة الوحدان والأصفار المستقبَلة عددًا من الأخطاء، وذلك بسبب التداخل والضجيج أثناء الاتصال. وثمة عدد من الطرق والخوارزميات المستعملة لكشف وتصحيح الأخطاء، من أشهرها Forward Error Correction (FEC) المستعملة في المهمات الفضائية، و Reed-Solomon و Turbo Code المستعملتان في ناسا. واستُعمل الترميز Reed-Solomon في المركبة the Voyager لتقليل معدل خطأ البت من 5*10-3 إلى 5*10-6.

 

الخاتمة

قدمنا في هذه المقالة نبذة عن اتصالات الفضاء العميق، وعن أهميتها والتحديات التي تواجهها، وعرضنا المواصفات الأساسية لهذه الاتصالات مثل: مجال الترددات المستخدمة، والاستقطاب، ونوع التعديل، وخوارزميات كشف وتصحيح الأخطاء الشائعة.

 

المراجع:

[1] Nik Ansell," An Introduction to Deep Space Communication", https://www.researchgate.net/publication/279201669, 2015.

قد ترغب كذلك بقراءة
المعطيات الكبيرة: المبادئ والتطبيقات
تكنولوجيا الواقع الافتراضي